اخبار الفناضاءات روائية

برهان شاوي: اكتبوا حين تكون الكتابة ضرورة وجودية وليس وسيلة للشهرة، والمعاناة الانسانية تتشابه في كل زمان ومكان

حوار/ سندس ايهاب

الروائي العراقي (برهان شاوي) من أبرز الأسماء الروائية والعربية التي أغنت المشهد الثقافي العربي بإبداعاته التي دلّت على تمكّن وكفاءة على مستوى الكتابة والانجاز سواء في الشعر او الترجمة او السرد الروائي، له عدة اصدارات روائية (الجحيم المقدس)، (مشرحة بغداد)، وراوية (المتاهة) على شكل سلسلة من تسع اجزاء، وله مجموعات شعرية ايضاً من ضمنها (مراثي الطوطم)، (شموع السيدة السومرية)، (رماد المجوسي)، (رماد القمر)، (ضوء اسود)، (تراب الشمس)، (اطفال الجن). درس السينما في موسكو وبعد ان أكمل دراسته انتقل الى المانيا عاش معظم حياته فيها، (برهان شاوي) ضيف حوارنا لهذا الأسبوع.

1- كيف اتجَهت للكتابة؟ ومتى كانت أول رسمة للحروف في حياتك؟ وماهي أول اصداراتك الأدبية؟
– ولدت الكتابة لدي من رحم القراءة، كنت أقرأ كل ما يأتي به أخي الذي يكبرني، من كتب (جبران والمنلفوطي والرافعي) وشعراء المهجر. وأخذت أقلد (جبران والمنفلوطي) في درس الإنشاء، وبتشجيع وإعجاب من معلمي اللغة العربية اندفعت لكتابة الخواطر الجبرانية، ومن ثم لكتابة الشعر العامودي، كان لي حينها أثنا عشر عاما وفي الثالثة عشر عاما نشرت أول قصيدة لي في جريدة صحيفة عراقية في باب بريد القراء، لكن أول إصدار شعري لي، مجموعتي (مراثي الطوطم)، جاءت بعد حوالي أربعة عشر عاما من نشر معظم قصائد المجموعة في الصحف والمجلات العراقية، وكنت حينها قد عُرفت كشاعر.
2- على الرغم من ابتعادك عن العراق لكنه لم يغيب عن رواياتك! هل اثرت عليك الغربة أم اضافت لك؟
– الغربة أفق جديد وجغرافيا جديدة ولغات جديدة وتراكم من التجارب الجديدة، وكل هذا يُعد بلا شك إضافة لي كإنسان ومن ثم إضافة لتجربتي الأدبية.
3- لديك سلسلة من تسع متاهات هل كان مصير المتاهات في العالم الغربي كما هو في العالم العربي؟
– لا يعنيني مصير الرواية التي أكتبها بقدر ما يهمني ولادتها. لكن (المتاهات) أخذت مداها المقبول في العالم العربي، لاسيما في الجزائر ولبنان وإلى حد ما في العراق، حيث كتبت عنها أكثر من عشر رسائل ماجستير وبمثل هذا العدد تقريبا من أطاريح الدكتوراه. وهناك رسائل وأطاريح قيد الكتابة.
4- مايميز متاهاتك اسماء الشخصيات؟ حيث ذكرت ان لديك ما يقارب 400 آدم وحواء؟ هل استخدمت هذهِ التسمية في بناء المتاهة ام وراءها فكرة فلسفية وماهي؟
– بالتأكيد هناك عدة دوافع وراء اختيار اسم آدم وحواء على شخصياتي. هذان الاسمان يجردان الشخصيات من كل الصفات المصطنعة تاريخيا وجغرافيا ودينيا، وتعيد الشخصيات إلى وضعها الوجودي، حيث الإنسان في مواجهة حقيقية مع ذاته ورغباته وعقده النفسية، وآثامه وخطاياه، وشكه ويقينه. (آدم) اسم جنس لكل الذكور و(حواء) اسم جنس لكل الأناث، وهم يكررون الأخطاء والخطايا نفسها التي ارتكبها الأصل الأول..آدم وحواء.
5- مالذي يدفعك للتركيز على الثالوث المحرم في متاهاتك؟ وهل هذا هو السبب في منعها في بعض الدول العربية؟ والى اي مدى تريد للقارئ ان يضيع فيها؟
– الثالوث المحرم هو سر الشلل التاريخي في مجتمعاتنا شرق الأوسطية. الجنس والدين والعنف السياسي، هذا الثالوث المحرم على المبدعين والمفكرين بل وحتى على الأفراد الاقتراب منه أو التوغل فيه. فالمنظومات الأخلاقية تفتي عليك بالفسوق وقلة الحياء والابتذال إذا ما اقتربت من الجنس، بينما هم يتوسلون ويدعون الله إلى أن يزوجهم من الحور العين..! وكذا الأمر حول كشف هينمة الدين على وعي الإنسان ولا وعيه، بحيث صار الإنسان، رجلا كان أو امرأة، كائنا مرعوبا من جسده ورغباته، يحتمي بغطاء أخلاقي، أما العنف السياسي والصراع الطبقي فهو من التحريمات الاجتماعية والسياسية، وكل من يكشف المستور يُعد مارقًا على الملة والمجتمع.
6- كيف جسّدت المرأة في رواياتك؟
– شخصيا لا أستطيع الحديث عن الحواءات في أعمالي الأدبية فهذا أمر يخص الباحثين والنقاد، لكني قدمت مثلا من بين 304 شخصية في المتاهات 119 حواء. قدمت المرأة بكل تناقضاتها وصراعها الأخلاقي بين الكبت والإعلان عن الرغبة، بين الإفصاح عن ذاتها كإنسانة وليست كتابع متهم بالخطيئة الأولى التي ألصقتها الأديان بها. حواءاتي شجاعات، جريئات، متناقضات، هشات، قويات، صبورات، عجولات، مررن بجحيم الحياة، وخلعن الأقنعة الأخلاقية المزيفة باسم الدين والأخلاق الفاضلة. شجاعتهن ترعب الآخرين فلا يجدون سوى اتهامهن بقلة الحياء والفجور.
7- صحيح انه يغلب على رواياتك طابع السوداوية؟ وهل هذا ناتج عن معاناة سابقة انعكست في رواياتك؟
– وهل رأيتِ الوضع العراقي يدعو للتفاؤل؟؟ أو الوضع العربي أو حتى الوضع البشري؟؟ أنا أحاول أن أكشف المستور عن تاريخ العنف في العراق والمنطقة، وأسقط الأقنعة الأخلاقية المزيفة وأضع شخصياتي في مواجهة أنفسها وذواتها. وطبعا أستعين بتجاربي وتجارب رفاق لي سقطوا وتاهوا في متاهات العراق..مثلما استعين بتجار شخصيات من جغرافيا وأديان وبلدان مختلفة عبر علاقتي الشخصية بهم، أو من خلال بوح الحواءات والأوادم الشخصي لي، فالمعاناة الإنسانية تتشابه في كل زمان ومكان.
8- كيف خطر على بالك ان تكتب عن مشرحة بغداد؟ قلت سابقاً (العراقيين هم مشاريع موت وان الحياة العراقية هي حياة ميتة) هل هذهِ هي نظرتك عن بغدادّ ام انها الحقيقة المخفية خلف السِتار؟
– (مشرحة بغداد) رواية كتبت أبّان الحرب الأهلية الطائفية ما بين 2006-2007، لكني أنهيتها في العام 2009، ونشرتها مسلسلة في صحيفة عراقية على شكل حلقات. الحياة العراقية هي كابوس، والإنسان العراقي مشروع موت. نحن أبناء موتين..رمل وريح..كما يقول الشاعر الراحل (فوزي كريم).
9- هنالك العديد من الكتّاب والأدباء الكبار أجادوا الشعر والسرد؟ أين تجد نفسك أكثر في الشعر أم السردّ؟
– أنا توجهت للرواية بروح الشاعر. في شعري ثمة نسغ من السرد وفي سردي روح شعري.
10- عند قراءة شعرك، نجد ان ما يميز صورك الشعرية انها مرسومة بطريقة سريالية، هل نستطيع ان نطلق عليك (سلفادور شاوي)؟ وكيف جاء تضمين الميثولوجيا في شعرك؟
– لا أعرف..لأول مرة أسمع من يقرّبني من (سلفادور دالي)..شكرا لك..فأنا أحب عالم دالي. أما عن التضمينات المثيولوجية، فأنا كرّست سنوات لدراسة تاريخ الحضارات القديمة، وتوغلت في قراءة النصوص السومرية، وتوقفت بتمعن وانتباه عند بناء النص السومري، لاسيما صيغة التكرار وصيغة النداء، واستخدمتها في كتابة نصوصي، لاسيما في مجاميعي الأربع التي أطلق عليها اسم (لتجربة السومرية) وهي: (ضوء اسود، تراب الشمس، رماد القمر، شموع للسيدة السومرية).
11- ذكرت في لقاء لك إنك تبتعد عن كتب النقد، ولا تكتب لفئة معينة، ماهي الحدود التي لا يمكنك تجاوزها اثناء الكتابة؟
– أنا لا أفكر بالقارئ لحظة الكتابة ولا بالمجتمع ولا بالرقابة أيّا كانت..أحتكم للصدق الإبداعي ولمصداقية الشخصية وتجلياتها لحظة الكتابة، ولا يهمني إن كانت ما تقوله الشخصية خارج أخلاقيات اللغة المحتشمة الوقورة أو خارج المنظومة الأخلاقية لآداب الكتابة، فما يهمني هو صدق الشخصية في التعبير عن نفسها في تلك اللحظة. أما كتب التنظير الروائي والنقدي، فبعض الكتاب يقرأ كتابا في النقد أو النظرية الروائية ويبدأ بتطبيق ما قرأه على شخصياته..فتبدو الرواية وكأنها خريطة هندسية لنظرية نقدية ما..! لا أؤمن بالكتب التي تعلم كتابة الرواية وأتهرب من قراءة كتب النقد والتنظير..لاسيما في فترة كتابته لرواياتي.
12- إلى أين تتجه الرواية في الفترة الأخيرة؟ وما نصيحتك للكتاب الشباب؟
-هذا سؤال يخص النقاد والباحثين. لا يهمني إلى أين تتجه الآداب والفنون المهم لدي الأصالة والجمال، فأنا أحتكم للجمال في نظرتي للأشياء. أما نصيحتي للكتاب الشباب هو أن يتقنوا اللغة التي يكتبون بها، نحواً وإملاءً وصرفا، وأن يقرأوا ويقرأوا ويقرأوا..لا أن يقرأوا كتابا أو رواية ثم يقرروا كتابة رواية..! اكتبوا حين تكون الكتابة ضرورة وجودية وليس وسيلة للشهرة.
13- وفي النهاية كلمة أخيرة تحب ان تقولها؟
– أقول بأني كتبت المتاهات في تسع روايات تناصا مع (جحيم) “دانتي” وهي الجزء الأول من (الكوميديا الإلهية) والآن بدأت بكتابة (المتاهات الجديدة) التي تتناص مع (المطهر) وهو القسم الثاني من (الكوميديا الإلهية)، وقد صدرت من المتاهات الجديدة رواية: (فندق باب السماء- مملكة الموتى الأحياء) وأعتكف الآن على الجزء الثاني (مطهر الخطايا المقدسة) حيث يصطف طابور من الحواءات والأوادم للدخول إليه، وستكون (المتاهات الجديدة) تسع روايات أيضا. كما أتقدم بشكري لحضرتك ولصحيفة (عدسة الفن) الذي ستنشر هذا الحوار الجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى